محمد حسين الذهبي
298
التفسير والمفسرون
ولا شك أن هذا موافق لما ذهب إليه الزمخشري من أن الجن لا تسلط لها على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء . كما أننا نجد البيضاوي قد وقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف ، من ذكره في نهاية كل سورة حديثا في فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند اللّه ، وقد عرفنا قيمة هذه الأحاديث ، وقلنا إنها موضوعة باتفاق أهل الحديث ، ولست أعرف كيف اغتربها البيضاوي فرواها وتابع الزمخشري في ذكرها عند آخر تفسيره لكل سورة ، مع ما له من مكانة علمية ، وسيأتي اعتذار بعض الناس عنه في ذلك ، وإن كان اعتذارا ضعيفا ، لا يكفى لتبرير هذا العمل الذي لا يليق بعالم كالبيضاوى له قيمته ومكانته . وكذلك استمد البيضاوي تفسيره من التفسير الكبير المسمى بمفاتيح الغيب للفخر الرازي ، ومن تفسير الراغب الأصفهاني ، وضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ، كما أنه أعمل فيه عقله ، فضمنه نكتا بارعة ، ولطائف رائعة ، واستنباطات دقيقة ، كل هذا في أسلوب رائع موجز ؛ وعبارة تدق أحيانا وتخفى إلا على ذي بصيرة ثاقبة ، وفطنة نيرة . وهو يهتم أحيانا بذكر القراءات ، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها فيذكر الشاذ ، كما أنه يعرض للصناعة النحوية ، ولكن بدون توسع واستفاضة ، كما أنه يتعرض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه في ذلك ، وإن كان يظهر لنا أنه يميل غالبا لتأييد مذهبه وترويجه ، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 238 ) من سورة البقرة « وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ » يقول ما نصه وقروء جمع قرء ، وهو يطلق للحيض كقوله عليه الصلاة والسلام : دعى الصلاة أيام أقرائك ، وللطهر الفاصل بين الحيضتين ، كقول الأعشى : مورثة مالا وفي الحي رفعة * لما ضاع فيها من قروء نائكا وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض ، وهو المراد في الآية ؛ لأنه الدال